
مجلة اليمامة السعودية ..العدد 2802 – 21 – مارس- 2024
يُعد الشاعر محمد حبيبي «صاحب أول تجربة شعرية من الأدب الرقمي متعدد الوسائط في المملكة العربية السعودية، منذ عام 2006م، حين عرض قصيدة (غواية المكان)»()، وما يزال إلى اليوم الشاعر الوحيد في هذا الميدان البكر حسب مفهومي للأدب الرقمي، وقد دشن النادي الأدبي بجازان في ديسمبر 2006م أولى تجاربه الرقمية، والشاعر يخبر() أنه بدأ التجربة منذ 2003م، أما بعض النصوص المكتوبة الموظفة فيها، فقد سبقت الألفية الجديدة كما في صور قصاصات الصحف الملحقة بالسيرة، وعلل طول فترة الإعداد لضعف الأدوات التقنية آنذاك، وتهيّبه من خوض المغامرة، لكنه أقدم، ثم رصد أصداء التجربة.
في فبراير 2007م دشن نادي المنطقة الشرقية الأدبي تجربته الثانية (حدقة تسرد)، ثم في 2008م عرضت جمعية الثقافة والفنون بأبها تجربته الثالثة (بصيرة الأمل). وفي ذات العام عُرضت في المركز الثقافي المصري الفرنسي بباريس، ثم أضاف إليها لوحتين في 2009م، واكتملت بجميع لوحاتها في 2018م، فقدمها في مؤتمر الأدب العربي الرقمي بجامعة العلوم والتكنولوجيا بدبي، فنالت إعجاب المنظمين خاصة الدكتورة كاثرين هيلز التي أشادت بالتجربة في مقالة لها()، ما شجعه على نشرها، ثم نشر تجربته الأخيرة (حيوات منسية) عبر قناته على يوتيوب عام 2023م. ولمحمد حبيبي تجربة مبكرة في سبتمبر 2007م في كتابة الشعر الرقمي باستخدام تقنيات النص المترابط أو التشعبي أو المتفرع، وكذلك باستخدام تقنية التفاعلية (التي تتيح للقراء المشاركة في كتابة النص معه)، وحسب الفيديو الذي نشره عبر قناته مؤخرا بعنوان (إساف نائلة – مشروع شعري تفاعلي 2007م لمحمد حبيبي عرض توثيقي لصيغتي المشروع على برنامجَي البوربوينت والوورد) فإنه لم ينشر هذه التجربة المهمة لاعتبارات شخصية، لكنه يحتفظ بها في جهاز الكمبيوتر لديه، بما يثبت مواقيت إنشائها سواء على المجلدات أم على بعض الملفات، ما يرشحه لأن يكون الرائد الأول لكتابة القصيدة الرقمية العربية قبل أي شاعر عربي آخر، وهذا يحتاج إلى باحث متمكن من جهة معتبرة لتأكيد هذه المعلومات، والفصل في حق الأسبقية بما يحفظ حقوق المبدعين.
تجارب الشاعر المبكرة، لم تنل حظها من التلقي والدرس، كالتجارب العربية الأخرى، ما ألقى بظلاله عليها، وأدى إلى تراخيه عن مواصلة إبداعه الرقمي، معترفا بذلك في سيرته تحت عنوان (اعتراف عربي متأخر بالتجربة)() ذكر فيه صراحة أن اتحاد الكتاب العرب على الإنترنت لم يعترف بتجربته إلا في 2018م، بعد مؤتمر دبي المذکور.
وأخيرا، حول تجنيس تجربة محمد حبيبي واعتبارها من الشعر الرقمي، فالشاعر ذاته في حيرة من تصنيف تجربته، فاختار توصيفها ب (الشعر المرئي) وأحيانا ب (اللوحات)، وقد أشارت د. أشجان إلى ذلك: «عند سؤالي له عن النوع الشعري الذي يكتبه، أجاب: بأن تجربته (ليست تجربة شعر تفاعلي، بل هي تجربة إشكالية) كما أسماها»، وقد عدتها من «الشعر الرقمي متعدد الوسائط»()،
أما د. وصفي عباس، خلُص إلى أن «تجربة محمد حبيبي في الشعر الرقمي التفاعلي واعدة وتتطور، وتحتاج الدعم المناسب لاستمرارها وإثرائها تقنيا»()، أما الدكتورة صلوح السريحي فخلُصت إلى أن النص «يفتقر للروابط والتشعيب التي تعد مكونا أساسيا؛ ولهذا السبب أيضا لا يُعد نصا تفاعليا، وهو أقرب ما يكون للفيديو كليب، ولكن يُقبل تجاوزا عدّه في الأدب الرقمي؛ لأنه لا يمكن تلقيه إلا عبر وسيط إلكتروني».()
هذه آراء الباحثين الذين تناولوا جوانب من تجربة محمد حبيبي، وباطلاعي الموسع على التجربة فإني أتفق مع ما ذهبت إليه الدكتورة أشجان هندي باعتبارها تجربة من الأدب الرقمي الوسائطي، الذي يعتمد على توظيف الوسائط السمعية والحركية والبصرية والنصوص والأيقونات بأنواعها في إنتاج اللوحات الشعرية، فلا يقتصر الأدب الرقمي على التشعيب أو التفاعلية، بل هذه تقنيات من تقنياته يأخذ بها بعض المبدعين ويتركها آخرون، وما يهمنا هو ما اتفق عليه النقاد في التنظير للأدب الرقمي، فیرى فيليب بوتز أن الأدب الرقمي «كلُّ شكل سردي أو شعري يستعمل الجهاز المعلوماتي وسيطا، ويوظف واحدة أو أكثر من خصائص هذا الوسيط»()، وبتعبير مقارب يقول الدكتور سعيد يقطين: «يتحقق النص الإلكتروني من خلال الحاسوب وبواسطته إنتاجا وتلقيا»()، وعلى هذين التعريفين وما يشاكلهما؛ تتمتع تجربة حبيبي بكل تلك المزايا، فقد أعدت بكامل تفاصيلها على جهاز الحاسوب، ونشرت عليه، ولا يمكن تلقيها كاملة إلا من خلال الشاشة، أما نقلها إلى الورق فمتعذر؛ لأنها تعتمد على تعاضد المكتوب والمسموع والمرئي في إنتاج دلالاتها.
أ.د.أحمد عيسى الهلالي
* أستاذ الأدب والبلاغة بجامعة الطائف